الرئيسية / مدونة المرأة / أفضل العيش في خيمة على العيش في وطني المحتل

أفضل العيش في خيمة على العيش في وطني المحتل

وفاء المحمد (كفرنبل-ادلب)

أختي الكبرى هي الأخت الأقرب إلى روحي وقلبي، تعلقت بها منذ الصغر، ترعرعت وكبرت بين أحضانها، وكل يوم يزداد تعلقي بها أكثر فأكثر، فهي بمثابة الأم والأخت والصديقة.

تسكن أختي في نفس الحي الذي أسكن فيه في مدينة ادلب، دائما كنا نذهب لزيارة بعضنا البعض، ونذهب للسوق سوياً، وفي كل يوم جمعة نخرج معاً الى البساتين المجاورة للمدينة، نجلس في ظل الأشجار ونقضي اليوم بأكمله، كنا نسعد في تلك الأيام، التي لم نكن نعلم أنها الأجمل.

مرت تلك الأيام مرَّ السحاب، فمع بداية المظاهرات ضد نظام الأسد في بلدي، قام الجيش بنشر قواته في جميع المدن السورية، فكانت مدينتنا كباقي المدن التي عاث فيها جنود الأسد فساداً وتخريباً، حيث انتشر الشبيحة والجنود في الأسواق والأماكن العامة، وبدؤوا بنشر الرعب والذعر بين الناس وممارسة حملات الاعتقالات العشوائية.

وفي أحد الأيام الهادئة، ذهبت برفقة أختي الى السوق لشراء بعض الحاجيات، وأثناء تجولنا في سوق الصاغة، وإذ بشاب قد رماه الشبيحة أرضاً وانهالوا عليه ضرباً بالعصي، خفنا وارتعبنا لرؤية هذا المشهد وهرعنا مسرعاتٍ إلى المنزل دون أن نشتري أي شيء، فقد أثر هذا الموقف في نفس أختي كثيراً.

ازدادت ممارسات جنود النظام وشبيحته القمعية ضد الشعب، من مداهمات واعتقالات وضرب وقتل سرقة وغيرها، لم يعد الوضع ليحتمل.

وبعد مضي عدة أيام وتحت جنح الظلام، غادرت أختي مع عائلتها إلى مخيمات اللجوء في تركيا هرباً من ممارسات الشبيحة، فقد عَلِمَ زوجها من أحد أصدقاءه أن قوات النظام ستقوم بحملة مداهمات على الحيّ الذي يسكن فيه، شعرتُ بالوحدة تتسلل إلى قلبي، أحسست أني أصبحت وحيدة في وطني.

وصلت أختي مع عائلتها الى مخيم مرعش داخل الأراضي التركية، فضلوا العيش في خيمة يأخذ الهواء جدرانها جيئةً وذهاباً على البقاء في ظل قمع جنود النظام وتسلطهم.

عانت أختي مع عائلتها وذاقت مرارة العيش في المخيم، حتى تحررت مدينة إدلب بالكامل، وأصبحت في قبضة الثوار، فعادت أختي الى منزلها الذي لطالما كانت تحنُّ الى العودة إليه، واستقرت فيه بالرغم من أن أغلب سكان المدينة قد نزحوا منها، ظنت أن تحرير المدينة من قوات النظام سيُعيد الأمن والأمان للناس، ولكن طائرات النظام لم تكن لتدعنا نعيش كما نحلم، فهي لا تكل ولا تهدأ في قصف المدينة، وفي كل يوم نرى أبنية مدمرة وأناساً تحت أنقاض منازلهم وأطفالاً مشردين يبكون والديهم أو أحد أفراد عائلاتهم.

وفي يوم بائس حزين رمت طائرة غادرة بحمم حقد آل الأسد على الشعب في منطقة المربع الأمني في مدينة ادلب، لتصيب “خالد” الولد الأكبر لأختي الذي لم يكمل ربيعه الخامس عشر من العمر بشظية في رأسه أثناء تجوله مع أصدقاءه.

أصيب خالد إصابة شديدة الخطورة أدت الى نزيف حاد لم يقدر المسعفين على إيقافه بشتى السبل البسيطة المتاحة لديهم، مما أدى الى دخوله في غيبوبة، وفارق الحياة على أثرها.

صُعِقَت أختي بالخبر وبما حدث وضاعت كل أحلامها (خالد يا مهجة قلبي لا تذهب وتتركني) بهذه الكلمات ودعت أختي فلذّة كبدها قبل دفنه، بقيت بجانبها ولم أتركها وحاولت التخفيف عنها، وقلت لها :(الحمد الله على كل حال قدر الله وما شاء فعل …وبإذن الله خالد شهيد) ولكن إحساس الأم بفقد ولدها فاق كل محاولات المواساة المقدمة ممن حولها، ولم تستطع التعايش مع الوضع الجديد بعد وفاة ولدها.

“كم كان شوقي بالعودة للمدينة كبير، ولكن لم أكن أعلم ما ينتظرني هنا فقد فقدت ولدي ولم يعد قلبي يحتمل فَقْدَ شخص آخر من عائلتي، سأعود مع أطفالي الى خيمتي الصغيرة وأكمل بها ما تبقى من حياتي، والزمن وحده كفيل بأن ينسيني بعض جراحي وأن يرممها ويخفف منها، ولن أعود الى وطني حتى يرحل المجرم عن بلدي”، قالت لي هذه الكلمات وودعتني ومضت، فبالرغم من سوء المعيشة في المخيمات إلا أنها أرحم من البقاء تحت ظلم الأسد وطائراته.