الرئيسية / تدوينات فرش / طهرُ أهلِ الغوطةِ اختلطَ بقلب إدلب النقيَّ

طهرُ أهلِ الغوطةِ اختلطَ بقلب إدلب النقيَّ

 

إدلبُ هذه البقعةُ الجغرافيَّةُ الَّتي حلَّت محلَّ الوطنِ الَّذي سلبه نظامُ البعث، كانت بمثابةِ الأمِّ لجميع السُّوريَّين الأحرار، إدلبُ هي القلبُ النابضُ لمهجَّري الغوطة الشرقيَّة ليختلطَ نقاء قلبها بصفاءِ الدمشقيَّين وطهرهم.

كلُّ شيءٍ في الغوطةِ كان أسود اللَّون الدمعُ والخبزُ والنومُ والنهارُ والشمس، وكلُّ شارعٍ تحوَّل لمعتقل، وكلُّ منزلٍ ضمَّ تحت ركامه براءة الطفولةِ وذكريات الحياة.

طائراتُ بوتين وبشَّار الأسد لم تترك مسامةً في مدنِ الغوطةِ الشرقيّة إلا وعاثت فيها دماراً، لكن عزّة الإنسانِ لم ترض الهوان بل واجهت الدبَّابات والصواريخ بنبال الدعاءِ وسيوف الصبر.

حقولُ الغوطةِ ستنبُ حقداً ونقماً على آل الأسد ذات يوم، ومآذنها ستصدحُ بالحريّةِ وسط الرصاص، وترابها سيصدَّرُ الكرامة لحَّكام العالم ولو بعد حين.

ولأنَّ الأخوَّة هي واحدة، ورابط الإنسانية رابطٌ مشتركٌ بين كلَّ إنسانٍ حرٍّ فوق هذه المعمورة، كانت أرضُ إدلب هي المسكنُ الجديدُ لأهل الغوطةِ الَّذين سيبنون حياةً أخرى لا تعرفُ الَّذل.

اختلفت الطرقُ عند أهالي إدلب في استضافة مهجّري الغوطة لينثروا على وجههم ملامح الأخوَّة والمحبَّة، ولتكون إدلب بيتاً يأويهم بعد أن دمرت الطائراتُ الحربيَّة بيوتهم وأحلامهم.

مواقفُ مشرَّفةٌ قدَّمها أحرار إدلبَ لشعبِ الغوطةِ الثائر، فمنهم من خرج إلى المعابرِ لاستقبالهم، ومنهم من ساعدهم بالأموال واللَّباس والغذاء والأدويةِ وتقديم البضائع بالمجَّان، ومنهم من أطلق شعاراتٍ عبَّروا من خلالها عن صلابة الأخوَّة وعن قيمة الإنسانية “أهلُ الغوطةِ في بلدهم وبين أهلهم”، ومنهم من نظمَّ فعاليَّاتٍ شعبيَّة لاستقبال المهجَّرين، ومنهم من قدَّم ألعاباً للأطفال لتخفيف وطأة التهجير عن نفوسهم، بعد أن تخلَّى عنهمُ العالمُ أجمع، وبعد أن اُستعملَ ضدَّهم أقوى وأعنفَ أساليب القتل تركوا ديارهم بغيرٍ حقٍّ ليُجزَوا بديارٍ كلَّها عزةٌ وأرضٍ عجز النظامُ وجلاوزته عن العبث فيها أو السيطرة عليها.

لم تكن إدلبُ يوماً إلَّا عنواناً للمحبَّة ولم تلبس ثوبَ المكرِ أبداً بل ثوبُها هو الحبُّ وقلبها هو الوطنُ البديلُ لكلَّ نازحٍ ومُشردٍ فوق أرضِ سوريا وأرضها هي الملجأُ الوحيد بعد أن حوَّل النظامُ المحافظات إلى منافي وسجون.

المهجَّرون لم ينفضوا الترابَ عن حقائبهم ليظلَّ ريحُ الغوطةِ يعايشهم رغم ألم النزوح لعلَّه خير معوَّضٍ لهم بعد منازلهم وذكرياتهم.

محمد مسلم العبيدو  (كفرنبل_إدلب)