الرئيسية / مدونات فرش / التغريبة الحلبية..عامان على الرحيل.. ذكرياتٌ سوداء.. وشوقٌ للعودة

التغريبة الحلبية..عامان على الرحيل.. ذكرياتٌ سوداء.. وشوقٌ للعودة

لم يكن شهر كانون الأول من عام 2016 قبل عامين من اليوم، كبقية أشهر العام بالنسبة للمدنيين في الأحياء الشرقية من مدينة حلب، بل كان أسوداً بكل ما يحمله معنى هذا اللون من سواد، حيث طويت في ذلك الشهر صفحة طويلة من نضال وكفاح استمر ما يقارب السبع سنوات ضد آلة الأسد العسكرية.

مضى عامان على تلك الذكرى التي ستبقى حاضرة في ذاكرة كل من عاش مرارة وبشاعة الأحداث المأساوية في أحياء مدينة حلب الشرقية، وكأن الحياة بالنسبة للمدنيين توقفت عدة أسابيع قبل حصول تغريبتهم التي فاقت معاناة التغريبة الفلسطينية، وكأن الأقدار متشابهة بالنسبة للشعبين مع اختلاف المسبب، ففي فلسطين كانت تغريبه الفلسطينيين بعد احتلال مدنهم وبلداتهم من قبل الاحتلال الإسرائيلي، أما تغريبة الحلبيين كانت أمر وأصعب فهم لم يختاروا الخروج من مدينتهم بل أرغموا مجبرين على ترك منازلهم وأحيائهم التي عاشوا كل حياتهم فيها.

توقفت الحياة في أحياء مدينة حلب الشرقية، توقف كل شيء، وكأن الموت كان العنوان الأبرز في تلك الأيام، كانت الساعات طويلة وكأنها أشهر، لا يمكن تخيل الأحداث التي عاشها المدنيون في تلك الأيام، رغم كثافة السماء بالغيوم الملبدة في تلك الأيام، إلا أن ذلك لم يكن رادع لطائرات روسيا بأن تصب جام غضبها على رؤوس المدنيين غير أبهة بالقوانيين الدولية والإنسانية ضاربة بها عرض الحائط.

كانت السماء تمطر الصواريخ والقذائف بدلاً من الأمطار وكأنها حمم نارية تنهال على رؤوس المدنيين، مرت العديد من الأيام على نفس الحالة قصف يكاد لا يتوقف حتى ولو دقيقة واحدة ليجد المدنيين مهربا لهم من حمم السماء الغاضبة.

حكايات كثيرة تروى عن حالات قد لا يستوعبها العقل البشري، أحداث مأساوية وصادمة لدرجة قد يصبح الموت هو الحل الوحيد للهروب من الواقع المفروض على المدنيين الذين ينتظرون ما ستؤول إليه المباحثات السياسية وجلسات مجلس الأمن الدولي “القلق دائما”، متفائلين بإيجاد حل قد يخرجهم من دائرة الموت المحيطة بهم من كل الجوانب بعد كل ما عاشوه.

في الوقت الذي كانت فيه بلاد “العم سام” مشغولة بانتخاباتها الرئاسية لاختيار رئيس للبيت الأبيض، كانت صواريخ البوارج الروسية تقطع آلاف الأميال لضرب الأحياء الشرقية لمدينة حلب منتشيه بفخر صناعاتها الحربية وقوتها وهيمنتها على الملف السوري بعد أن أخذت الكثير من الدول الأوربية وضعية المزهرية مكتفية بتصريحات التنديد والاستنكار عن جرائم روسيا ونظام الأسد متخلية عن شعاراتها باحترام القوانيين الإنسانية.

كان اختبار ما حدث في أحياء مدينة حلب الشرقية من فظائع وجرائم بحق المدنيين هو اختبار للعالم المتحضر المدعي حرصه على القوانيين والحريات وحقوق الإنسان، لكشف أكاذيب تلك الدول وفضحها بشكل علني، حيث سقطت تلك الدول أمام هذا الامتحان الذي عرَّاها وكشف زيف تلك الادعاءات التي كانت تستخدم للمتاجرة بدماء الشعوب لا غير.

ما حصل في أحياء حلب الشرقية خلال سنوات الثورة السورية، كان من أفظع الجرائم التي ارتكبت بحق البشرية في العصر الحديث بعد الحرب العالمية الثانية، بل وكان أفظع من جرائم الاحتلال الإسرائيلي الذي يمتلك من الإنسانية ما لم تكن موجودة لدى نظام الأسد وروسيا.

بعد كل ما حل في القسم الشرقي من مدينة حلب من جرائم سيسجلها التاريخ لتكون شاهدة على أبشع ما حل بالسوريين وتخاذل دول العالم عن نصرة المدنيين، كان لا بد من اتخاذ قرار نهائي للخروج من دائرة الموت لإيقاف ما يعانيه المدنيين في تلك الأحياء، كان اتخاذ القرار صعبا لدرجة كبيرة، لكن لم يكن يوجد خيارات أخرى، كانت الطرق مسدودة من كل جوانبها، كل يوم كانت تضيق الحلقة التي يقطنها المدنيون أكثر فأكثر، كانت خالية من كل مسببات الحياة، لا ماء ولا طعام ولا دواء، الجثث في كل مكان، رائحة الموت والبارود تملأ المكان.

لم يكن يتوقع أهالي الأحياء الشرقية في مدينة حلب في يوم من الأيام مغادرة بيوتهم وأحيائهم التي ولدوا بها، حاملين معهم ذكرياتهم الجميلة التي عاشوها مع أهلهم وأحبابهم، ولكن كل تلك الجرائم والفظائع من قبل نظام الأسد والميليشيات الإيرانية وحليفتهم روسيا التي دمرت كل شيء على رؤوسهم جعلتهم يفكرون بالنجاة ولو على مضض، فما عاشوه كان من أصعب الأشياء التي ستبقى محفورة في ذاكرتهم حتى ولو بعد حين.

حمزة العبد الله ( كفرنبل_إدلب)