الرئيسية / أدب / قصتي / السَّلام على ولدي..!

السَّلام على ولدي..!

كان وجهها مصفراً والدمع مغرورقٌ في عينيها.

كان المكان يكتظُّ بالناس ولكنها لم تكن ترى أحداً سوى باب غرفة العمليات المكتوب عليه “ممنوع الدخول”.

ألقيتُ السلام عليها، كانت أمامي وكأنها ليست أمامي، تلك الحائرة الحزينة، لقد تجمَّدت كأن الطيرُ على رأسها.

ردَّت بصوتٍ خافتٍ مُشيحةً بوجهها عنَّي

السلام على ولدي، الذي لا أعلم ما الذي يجري به الآن تحت العمليَّة، منذ ساعةٍ يا ابنتي لم يخبرني أحدٌ عن حاله.

إلى الآن لم أعلم ما السبب الذي جعل من هذه الكائنة حزينةً إلى هذا الحد، وبعد عشر دقائق من دهشتي خرج ممرضٌ يسأل عن زمرة دمٍ تطابق دم محمد.

من محمد..؟

ركضت وكلَّها لهفةٌ، أنا، أنا أمه، ودمي من دمه، تعال وخذ مني حتَّى تكتفي.

ذهبتُ معها إلى غرفة مليئة بالمعدات الطبية، أخذ يسحب الدم منها ليزود محمد به، كانت ترتجف من الخوف وتتمتم:” لم أعد أملك في هذه الدنيا إلا أنت يا حبيبي، يا الله لا تأخذ مني محمد لأنه فلذة كبدي ونور عيني هو الذي بقي من هذه الحرب التي أخذت مني كل شيء زوجي وبيتي والآن محمد”.

حاولتُ مراراً أن أهدئ من روعها قليلاً بعد أن عرفتُ أن الذي في الداخل هو ابنها، عرَّفتها على نفسي وبالها مشغولٌ، حتَّى أنا نعم أنا صار بالي مشغولاً على ابنها.

وبعد دمعاتٍ معدودةٍ سالت على خديها، قالت لي يا نسرينُ هذه الحرب لا تبقي ولا تذر، راح زوجي وبيتي صار ركاماً، والآن ابني بين أيدي الأطباء يصارع الموت، كما نصارع نحن الحياة.

مرَّت ساعةٌ من الزمان وجمر الانتظار يكوي فؤادها، خرج الطبيب المشرفُ على العمليَّة، الآن شعرتُ بها لقد صارت بلا همسٍ ولا رمق.

حتَّى قال لها: “احمدي الله على سلامة ابنك لقد نجا بعد صراعٍ كع الإصابة، وهو الآن تحت تأثير “البنج”.

دخلت إلى غرفة العمليات هي تنتظر استيقاظ محمد، وفجأة فتح محمدٌ عينيه، وقبل أي شيء، وقبل أن ينطق بالوجع الذي يشعر به، سأل عن أبيه، كان سؤالاً صعب الإجابة عليه.

أجابته وقلبه يبكي “لقد استشهد والدك يا بني”.

أبحرُ الدمع في عيني محمد وكأن به يقول أين أبي، ثم طلب الذهاب إلى البيت، حاول أن ينهض، بدأ بالصراخ، ثم كانت الفاجعةُ الأكبر، لقد نطق أين قدمي، أين قدمي.

تذكرت حينها كلام أمه عن الحرب التي لا تبقي لا تذر، الحرب التي حرمت محمداً من قدمه، وحرمت أمه من الحياة ومن رؤية معالم الدنيا بعد أن فقدت كلَّ شيء.

 

(نسرين الموسى)