الرئيسية / مدونة المرأة / الهروب هو السبيل الوحيد للنجاة  

الهروب هو السبيل الوحيد للنجاة  

 

ببطئ، تحت ستار أخر ليلة قضيتها مع زوجي، مكاناً مخيفاَ بارداَ لا تقطنه سوى المشاكل والآلام ومرارة العيش وأنا، إنه بيتي الذي بت أحس نفسي به كسجينة في قلعة حاكم ظالم، كأني في جحيم…

قالت أسماء هذه الكلمات وفي عيونها لمعة حزن وأكملت: ” تصرفاته معي باتت لا تطاق، أياماَ طويلة قبل تلك الليلة كانت قد مضت بإصرار كبير مني له طالبة الطلاق والفكاك من يده الحديدية، فلم تخلو أي منطقة في جسدي من التشوهات التي خلفتها.

كنت تواقة لأعرف ما ستكمله أسماء لي، شعرتُ حينها أن قلبها المنكسر سينطق عن مدى الظلم والقهر الذي عانته، وتحدثني كيف احتل الظلام مكاناً من حياتها.

بعدها تابعت وقالت لي: “زوجي كان ضابط في المخابرات العسكرية برتبة نقيب، وبحكم عمله كان يستغلني بالتهديد بأنه سوف يخبر عن أخي الذي انشق عن نظام الأسد، فعلاَ وبعد قهقهة عريضة كنت قد سمعتها، بدأ يخبر أحد أصدقائه عن أخي”.

كانت ليلة ظلماء بكل ما فيها، غفوت كيف لا أدري، ولم أصحو إلا على صوت زوجي وهو ينهال علي ضربا وبشدة لم أعلم لماذا، فقررت الهرب وهو السبيل الوحيد للنجاة منه، فانسحبت من تلك الحياة في صباح مبكر، وبخطوات تائهة لم أعلم إلى أين ستأخذني، بعدها وجدت نفسي أمام منزل صديقتي، وكان فرحي يمتزج حزناَ عندما رأيتها.

بصوت مسرع ونبرة صوتها الذي يإن بالرئفة جعلتني أرتاح قليلاَ، وأدخلتني إلى بيتها وجلست بجانبها وأنا لا أصدق أنني نجوت من ذلك العذاب، وأنني سأمضي ذاهبةً إلى منزل أهلي هاربة من هذا الشخص المرعب.

ولكنني لم أبوح لها بما في داخلي، وأبقيت الوحشة والفزع الذي يخطف العقول قبل الأسماع بداخلي، ولكن دموعي كانت أقوى مني وفضحت ذلك الألم الذي بداخلي.

وبعد وصولي إلى منزل أهلي ظننت أنني تمكنت من النجاة من ذلك العذاب والألم، ولكنه انقلب بلون أخر أضيق من لون السواد الذي كان مخيم علي، عندما علمت بأن أخي قد أخذته المخابرات الجوية التابعة لنظام الأسد.

كيف حصل هذا، وما هو الجرم الذي ارتكبه أخي والآخرون لكي يعانون من ظلمة السجن وعذابه، كأنهم عبيد لدى حكام ظلام لا يعرفون الرحمة، زواجي من ذلك الرجل كان قراراَ اتخذته، وكان لزاماً علي دفع ثمنه، الموت كان الخيار الأسهل بين الخيارات التي أخذتها عندما تزوجت به.

والأن أعيش مع أهلي في بيت فقير من كل شيء مادي، في كل يوم جديد تتفتح عيناي طفلتي عليه أشعر بضعف يلتهم روحي، ولكن ذلك البيت كان أفضل من ذلك المكان الموحش الذي قضيت حياتي به مع زوجي.

قلت لها: “لست الوحيدة التي مرت بمثل هذا الشقاء، فهناك المئات اللواتي لا تمسح دموعهن إلا وسائدهنَّ شاكيات بؤسهن للعزلة والظلام”.

أجابتني أسماء وقلبها ينفطر حزناً على طفلتها التي لم تبلغ سوى الثلاث سنوات من العمر، فسألتها عن ما ستفعله بنا الأيام بات يدمرني.
ففي أغلب الأحيان اتخيل ما جرى معي كأنه فيلم مرعب، ولكن عند انتهائه أعود لأجد نفسي في عذاب بلون أخر.

(أية عبد السلام)