الرئيسية / مدونات فرش / النازحون في الداخل… مأساة لا تنتهي

النازحون في الداخل… مأساة لا تنتهي

من أعظم المآسي قهراً في نفوس السوريين كانت مأساة النزوح الجماعي أو الفردي الداخلي حيث يتركون بيوتهم وأملاكهم ويتوجهون إلى مناطق أخرى، ظناً منهم أنها أكثر أمناً من مناطقهم التي غادروها، وهنا تواجههم الكثير من المشكلات ومنها قلة السكن وغلاء الآجار وعدم توفر العمل والمورد الأساسي للأسرة، حيث تعاني معظم الأسر الفقيرة من الجوع ومن التشرد والبرد بسبب عدم توفر اللباس والأغطية والمحروقات في فصل الشتاء.

وكانت سورية قد تصدرت قائمة البلدان التي تشهد نزوحًا داخليًا كبيراً بسبب القصف المتواصل من قبل طائرات ومدافع نظام الأسد، مع وصول عدد اللاجئين والنازحين إلى 13 مليون شخص. وكان الجزء الأكبر من الاهتمام الدولي يركز على الملايين من الناس الذين خاطروا بحياتهم من أجل اللجوء إلى أوروبا، ومع ذلك، فإن الدول المجاورة حدّت بشكل كبير تدفق اللاجئين إليها، أو أغلقت حدودها كاملة في وجوههم. ونتيجة لذلك، فإن مئات الآلاف من النازحين المحاصرين داخل البلاد، أو الموجودين في مخيمات حدودية، يعيشون ظروفًا إنسانية سيئة.

وينتقل النازحون داخليًا، في كثير من الأحيان، عدة مرات أثناء نزوحهم، وتخلق هذه الأنماط المتنوعة والديناميكية تحديات كبيرة أمام متابعة تحركاتهم، ونتيجة لذلك أيضًا، تستند الأرقام حول أعـداد النازحين إلى تقديرات تصل إلى 8 ملايين نازح داخلي.

وعندما ننظر إلى الشمال الغربي حيث محافظة إدلب، والتي تتوزع فيها المخيمات في الريف، مثل مخيمات طريق الدانا – أطمة (مخيمات قاح) شمالي محافظة إدلب. وهي عبارة عن مجموعة كبيرة جدًا من المخيمات والتجمعات التي يقطن فيها النازحون داخليًا.

وتقع على الطريق الواصل بين منطقتي الدانا وأطمة شمال محافظة حلب، حيث يتموضع على حافتي الطريق ما يقارب 64 مخيمًا، ويبلغ عدد النازحين فيها أكثر من 68 ألف نازح، معظمهم من نازحي ريف حماة الشمالي وريف إدلب الشمالي والجنوبي وجبل الزاوية وخان شيخون. وفي مخيمات أطمة يبلغ عدد المخيمات 23 مخيمًا، منها (الجزيرة والعربية وأورينت والزهور وأبو الليث والزيتون والمهاجرين والوسيم والإحسان والفداء والبيان والخليل).

 

وهناك تجمّع مخيمات جبل الزاوية، قرب معسكر الحامدية الواقع غرب معرّة النعمان – جنوب قرية كفرومة، أهمها مخيم الفاروق ومخيم سرجيل، حيث يقع المخيم في منطقة سرجيلا الأثرية الواقعة شرق قرية البارة ومخيم الخربة، وهو عبارة عن عدد من الخيم وبعض البيوت المبنية من الطين، وبعض البيوت الأخرى المصنوعة من (البلوك)، وبعض النازحين يعيشون ضمن الغرف الأثرية نفسها.

أما نازحو بلدة كنصفرة، فهم يعيشون في الكهوف المنتشرة في البلدة، ومعظم النازحون الموجودون في كنصفرة من مناطق مختلفة مثل خان شيخون والمعرّة، والعديد من المناطق الأخرى مثل حلب وحماة وحمص.

وقد أدى تصعيد المعارك وفشل اتفاق “خفض التصعيد” إلى ازدياد كبير في عدد النازحين في المنطقة الشمالية الغربية، حيث أعلنت الأمم المتحدة أن تصعيد المعارك في شمال غرب سورية أدى إلى نزوح جديد لأكثر من مئتي ألف شخص. ويعيش النازحون في وطنهم أوضاعًا تشبه العقاب الجماعي، فالطعام شحيح، والخدمات الطبية شبه معدومة.

وقد أكدت (هيومن رايتس ووتش) أن قوات الجيش التركي تقوم بإطلاق النار على المدنيين النازحين الذين يتوجهون إلى الحدود التركية، كما أنهم يتعرضون للتعذيب من قبل قوات حرس الحدود التركية، بهدف إجبارهم على العودة إلى سورية.

ويبدو أن جميع القوى الداخلية والخارجية قد تعاونت على قهر وظلم السوريين الذين يشكون بثهم وحزنهم إلى الله.

أما منطقة عفرين التي قامت تركية ببسط نفوذها فيها بعد معارك طويلة فقد شهدت نزوح نحو 200 ألف شخص، هربًا من المعارك بين القوات التي تقودها تركيا والفصائل الكردية المسلحة التي تسيطر على المنطقة، ومن منطقة عفرين الشمالية، نزح ما يقدر بنحو 104 آلاف شخص من ديارهم، بسبب التصعيد الأخير في القتال من قبل تركيا، وهناك نحو 75 ألف لاجئ في تل رفعت، في حين سعى 29 ألف آخرون إلى الأمان، في نبّل والزهراء والقرى المحيطة في ريف حلب الشمالي.

وما يزال شبح النزوح يطارد السوريين أينما كانوا فمن الغوطة الشرقية وحي القدم في جنوب سورية غادر إلى الشمال في آذار 2018 مئات المدنيين والمقاتلين من مدينة حرستا وسقبا وبلدات زملكا وعربين وعين ترما وجوبر في الغوطة الشرقية، إلى إدلب، في هجرة قسرية بمقتضى اتفاق “بضمانة” روسيا.

وقالت المصادر إن نحو 15،000 شخص -بينهم مقاتلون خرجوا على متن مئات الحافلات انطلقت نحو محافظة إدلب، كما نزح من حي القدم جنوب العاصمة دمشق نحو 2000 شخص من المعارضة وأهاليهم ضمن اتفاق بين الطرفين باتجاه مناطق الشمال السوري.

ويأتي تهجير أهالي القدم والغوطة، في إطار سياسة التهجير التي يتبعها نظام الأسد، عبر سياسة تجويع السكان من خلال الحصار، ومن ثم فرض تسويات تنتهي بتهجير الرافضين، وتجنيد الشبان، ومن أبرز المناطق التي هجّر النظام أهلها (حلب، وحمص، وداريا، والزبداني والغوطة) وكل هؤلاء النازحين يتوجهون إلى إدلب ومناطق الشمال الشرقي لسورية.

وبالذهاب إلى الشمال الغربي

لا يزال العديد من النازحين السوريين من الرقة والمناطق المحيطة بها، يعيشون ظروفًا مزرية بعيدًا عن منازلهم في مراكز إيواء مؤقتة، وقد نزحوا مرات عديدة، وقاسوا مرارة النزوح والحرمان والبؤس. وقد دشن ناشطون حملة تحت وسم مخيمات_ الموت، بهدف إيصال معاناة النازحين في المخيمات الخاضعة لسيطرة ميليشيا قوات سورية الديمقراطية.

وأكد الناطق الرسمي باسم “المجلس الأعلى للعشائر والقبائل السورية”، أن الحملة معنية بتسليط الضوء على معاناة سكان مخيمات ريف الحسكة، منها (الهول، والسد، ورجم الصليبي، وأبو خشب، ومبروكة، والمالكية)، مبينًا أن “جميعها مخيمات عشوائية تفتقر لأدنى مقومات الحياة”.

أما مناطق الجنوب السوري فقد شهدت نزوح الآلاف من النازحين مثل مناطق ريف حوران الغربي، وبخاصة في نوى وتسيل، ويتوزع النازحون على عدة مناطق أكبرها معسكر الطلائع في زيزون، وكذلك في ريف درعا، وفي ريف محافظة القنيطرة، ويقطنون في خيم مهترئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.

وإلى الحدود مع الأردن حيث مخيم الركبان في جنوب سورية، حيث أغلقت الأردن الحدود مع سورية، يعيش نحو 75 ألف نازح في مخيم الركبان الذي تم إنشاؤه في المنطقة الحدودية من الجهة السورية للنازحين السوريين على طول 7 (كم) بين سورية والأردن.

ويعيش النازحون معاناة مريرة، منذ أعوام عدة، جراء ما تعانيه المخيم من إهمال ونقص في المساعدات في بقعة صحراوية تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، أجبرتهم الحروب والقصف والموت الذي لاحقهم في مناطق عدة على اللجوء إلى هذه المنطقة، لتكون الملاذ الأخير لهم بعد أن أغلقت في وجههم الحدود. وقالت منظمة (هيومن رايتس ووتش): إن آلاف السوريين يعيشون مهملين في الصحراء، لرفض بلد تلو الآخر تحمل مسؤولية سلامتهم، حيث يعيشون في خيام متنقلة وأكواخ طينية في ظروف سيئة.

ويمكث النازحون هنا على أمل استيقاظ ضمير حكومة الأردن بالسماح لهم بالدخول إلى أراضيها، ولكن دون جدوى.

وغالباً ما يكون النازحون من المجموعات الأكثر ضعفاً، والتي هي بأمس الحاجة إلى الحماية والمساعدة، ففي أغلب الحالات يفتقر هؤلاء إلى المأوى ويتوزعون بمخيمات كبيرة ومزدحمة ما يشكل تهديدًا لهم على الصعيد الصحي، حيث تنتشر الأمراض بشكل سريع، إضافة إلى النقص الغذائي الذي يتعرضون له، والنقص الحاد في مستلزمات الحياة الأساسية من ملبس ومأكل وسكن لائق وتعليم وطبابة حيث يعاني سكان المخيمات حالة من البطالة طويلة الأمد، نتيجة انعدام فرص العمل وعدم امتلاكهم المال.

وفاء المحمد