الرئيسية / مدونة المرأة / وكأنني آثمة!

وكأنني آثمة!

“وكأنني آثمة.. وكأنني اخترت بإرادتي المعتقل وويلاته.. وكأنني التي عشقت الخوف والقهر على عتبات السجانين”. تساؤلات تدور في رأس أم خالد والكثير من الناجيات من أهوال أقبية سجون الأسد واصطدامهن بواقع المجتمع بكل تقاليده النتنة التي تجعل من الشجاعة وضاعة فقط لأنها أنثى.

معاناة المرأة التي تعرضت للاعتقال خلال الثورة السورية لم تنته عند خروجها من أقبية السجون، بل لعل المعاناة الأكبر بدأت عندما أصبحت حرةً طليقة، فليس هناك شيءٌ أقسى على المرأة التي عاشت ويلات سجون الأسد وخرجت ولم تجد في كل من حولها من يخفف عنها، بل هناك فئةٌ من المجتمع تنظرُ إليها وكأنها آثمة، أو كأنها هي التي اختارت لنفسها الخوف والقهر والرعب.

هذا ما يجعل من المعتقلات اللواتي خرجن من السجون يتمنين لو أنهن قضين تحت التعذيب في المعتقلات ولم يتعرضن لما تعرضن له من تخلي الأهل والأزواج والأصدقاء.

وهذا ما أكدته أم خالد، تلك المرأة البالغة من العمر ثلاثة وأربعين عاماً، حيثُ تروي ما تعرضت له بعد أن صارت خارج القضبان.

“فور خروجي من السجن تعرضت لموقفٍ جعلني أشعرُ بأني ذليلة وبأنه لم يعد هناك مكانٌ للإنسانية، حينها أجبروني جنود الأسد على الاعتراف بأني إرهابية، اعترفت خوفاً من اعتقالي مرةً أخرى”.

أم خالد وغيرها من الناجيات من المعتقل كن يعتقدن أن النجاة هي نهاية المطاف، نهاية الألم الجسدي والروحي، لكن كان للمجتمع كلام آخر.

تقول أم خالد “كنت أظن أن خروجي من السجن قد يُعيدُ لي الحياة مجدداً، لكني لم أكن أعرف أني مجردةٌ من كل شيء. أهلي وأولادي وبيتي وأصدقائي، هنا تكمنُ المعاناة الحقيقة بأني فقدتُ كل شيء دون إثم، وصرتُ في عالمٍ مجهولٍ لا أعرف فيه أحداً”.

كان لدى أم خالد هاجسٌ بأنها إن عادت إلى أهلها في درعا ستسبب لهم الحرج أمام الناس التي لا تنتهي ظنونهم، وفي ذات الوقت كان لديها خشية من اعتقالها مرة أخرى.

في الطريق إلى إدلب اعتراها شعور بأنها وزميلاتها قطيع من الأغنام يُساقُ لمكانٍ لا يعرفن فيه أحداً.

عند وصولنا استقبلنا رجلٌ لا أعرفه. وعدني بتأمين كل ما أحتاجه، في هذه اللحظات شعرتُ باليتم بالوحدة تسرب إلى أطرافي رعشات لم أمتلك أي قوة كي أوقفها، قلت له بصوت خافت: جزاك الله كل خير.

جمعت بعضاً من بعضي وذهبت مع الرجل الذي لا أعرف عنه سوى أنه حن على حالي.

وصلتُ إلى مدينة كفرنبل، ودفع لي الرجل آجار بيتٍ لشهرٍ واحدٍ وأعطاني مبلغاً من المال لا يتجاوز الـ 25 ألف ل.س.

مضت شهورٌ وأنا في حالة يرثى لها، نفذت النقود التي أمتلكها، حتى أني لم أعد قادرةً على دفع آجار المنزل الذي أسكُنُه، بحثت عن الرجل علني أطلب منه مساعدةً أخرى لكنه رفض ولم يبالي بحالتي.

لم تكن أم خالد تعلم لماذا رفض الرجل مساعدتها مرةً أخرى، ربما كانت ظروفه المادية لا تسمح له بتقديم ما هو أكثر بعد أن ساعدها في المرة الأولى، أم أن نظرة المجتمع لها أو للمعتقلات بشكل عام غيرت وجهة نظره بها.

كان لا بد لي أن أتأقلم مع هذا الواقع المرير، هذا الواقع الذي لم يقدم لي سوى بعضاً من المال والكلمات العاطفية، وكأني دميةٌ بلا شعور.

كانت هذه الصدمة الأولى التي تتلاقها أم خالد، صدمةٌ كان لها وقعٌ خاصٌ في خاطرها، وقع الألم والذل فقط لأنها أثنى خرجت من معتقلات آل الأسد.

وبعد فترةٍ وجيزةٍ خرجت للبحث عن عمل وقصدت المشافي فأنا كنت أعمل مستخدمة في مشفى في السابق وعملت بمشفى بمدينة كفرنبل لفترة قصيرة، حتى في المشفى كنت أشعر بأن الجميع ينظر إلي نظرةً دونية أو دعوني أقول لكم نظرة استحقار واستخفاف، حتى جاء مدير المشفى وطردني من عملي قائلاً:” إن عملك متقنٌ ولكن لا بد لك أن تبحثي عن عملٍ آخر فأنت كنت معتقلة وهذه مشفىً..!”.

هذه الكلمة (كنت معتقلة وهذه مشفى)، نزلت كالصاعقة على قلبي، إلى هذا الحد صرتُ نكرةً، دهشتُ من كلام الطبيب لأن الطبيب بشكل عامٍ يملك أسمى صفات الإنسانية، لكنه قمعني بكلامه المسموم وطردني من عملي فقط لأني كنت معتقلةً، ربما لو كنت غير ذلك لأبقاني لكني الآن صرت قاصراً بعد خروجي.

اليأس اتخذ مني وطناً والهموم لم تفارقني، حتى صرت أصدق نفسي بأني قاصر وأني عالةٌ على المجتمع الذي لم يرقب بي إلًّاً ولا ذمة، عوضاً عن ذلك شوقي لأولادي الذي يفوق كل ألمٍ وحزن.

أم خالد ليست المعتقلة الوحيدة التي صدمت بنظرة المجتمع لها بل هناك الكثير من المعتقلات اللواتي لقين ما لقيته أم خالد.

#ناجياتٌ_ أم_ ليس_ بعد

إعداد: وفاء المحمد