الرئيسية / منوعات / من العراق لليمن والمغرب العربي.. هكذا أقام شعراء عرب عرسا لذاكرة القرنفل في إسطنبول

من العراق لليمن والمغرب العربي.. هكذا أقام شعراء عرب عرسا لذاكرة القرنفل في إسطنبول

أنسيتني؟ كلا وحقِك حاضرة .. من كان مثلي لا يخون مشاعرَه

لكن بُعدي عندك طال فكيف تذكرني؟ أينسى بيت شعر شاعره

أهديتني ذات احتضان زهرة .. تدعى القرنفل في تمام العاشرة

ما زلت حين تدق أحمل زهرتي .. نحو المكان، فللقرنفل ذاكرة

 

هذا ما قاله الشاعر السوري إبراهيم جعفر، وهكذا صاغ شعراء عرب قصائدهم وتلوها على مسامع الحضور، ليحيوا “ذاكرة القرنفل” في الندوة التي نظمتها الجمعية الدولية للشعراء العرب في إسطنبول.

من جانبه، قال مصطفى مطر رئيس الجمعية الدولية للشعراء العرب في إسطنبول أن اجتماع الشعراء في الفعاليات الثلاث التي أقامتها الجمعية كان حلما تحقق بجهود خاصة من شباب سوريين وفلسطينيين وآخرين، منتقدا موقع الثقافة العربية في ذيل الاهتمام العربي الرسمي، وأشار إلى كون إسطنبول أشبه بوطن عربي مصغر يجمع العرب، مشبها إياها بالقصيدة التي تجمع الشعراء من بلدان مختلفة.

 

وقد جاء شعراء الندوة من العراق وسوريا واليمن والأردن وفلسطين والجزائر ومصر، وتشابهت قضاياهم الأدبية التي مزجت المتعة والجمال بالثورة والنضال، ورغم أن القافية أفضل موسيقى فقد افتتحت الندوة بالعزف والسماع لموشحات من الطرب الأصيل على مقام الرست.

ماضٍ..

ولم تسمع نُبوءةَ شاعرٍ

 

صاغَ القَوادمَ للدُنا أشعارا

 

وحسبتَهُ كتبَ القصيدَ مُباريا

 

والشعرُ لم يُخلق لكي نَتبارى!

 

لم يخلق الشعر للتباري، لكن الشعراء تباروا في أغراض الشعر المتنوعة في الندوة التي كان الغزل حاضرا في معظم قصائدها، سواء كان تغنيا بالجمال أو بوحا بشوق مكتوم أو حتى شكوى فراق الحبيبة أو الأهل والبلاد.

 

وبدأت الجلسة الشعرية بامتزاج الأمل والغزل، إذ ألقى الشاعر السوري عبد الرحمن أبو راس أبياتا في حب ليلى، وتغنى قائلا:

 

ألست ابن المجاز تراك يا من .. بظل اسمي تذوب أناه لولا

 

ألست ابني المحرّم عن نعيمي .. فما استثناك من كوني بإلا

 

أنا الروح التي منكِ استقلّت .. ببعض هوى فصارت فيكِ كلا

 

ومن الأردن، أتى الشاعر الأردني الشاب عبد الله حمادة ليلقي قصائده مفتتحا انفعالاته بالغزل، قائلا:

 

تُخفينَ عن ناظري “ما اللهُ مُبديهِ”

 

وللخَفيِّ عَلامَاتٌ تُجلِّيهِ

 

أصابكِ الحبُّ، لكن لستِ مُوقِنةً

 

إن أنتِ حاولتِ رميا، أن تُصيبيهِ!

 

وسرتِ نحوَ بناتِ الحَيَّ صامتةً

 

لم تُبقِ عَيناكِ شيئا كي تقوليهِ

 

وحِينما انزاحَ طيفي صحتِ قائلةً

 

“فَذَلِكُنَّ الذي لُمتُنَّنِي فِيه”

 

ومن الغزل انتقل حمادة لموضوع آخر، فتلا قصيدة “بانوراما: جاهليّ في المقدمة”، قائلا:

 

ماضٍ..

 

ويخذُلك الطريق مِرارا

 

فبأيّ آلاءِ الأسى تتمارى!!

 

ما كنتَ فيهم إذ رَمَوا أقلامَهم

 

والعينُ حَيرى،

 

والمِياه حيارى

 

والناس خلفَك يركُضون دوائرا

 

فعلامَ هم يتعرَّقون بُخارا؟!

 

وكأنهم علِموا بأنَّ دليلَهم

 

كَسُكُوتِهم إن قدّموه

 

توارى

 

وبأنَّه حين ارتوى من قوتِهم

 

أخَذ الفُتاتَ ولَفّهُ سيجارا

 

فبدَوا سُكارى يهرَعون تمايُلا

 

ممّا رأَوه،

 

وما هُمُ بسُكارى!

 

ماضٍ..

 

وقطّعتَ الجذورَ حداثةً

 

وبنيتَ فوق اللاأساس ديارا

 

ومن عبق الفرات الآتي من دير الزور السورية، افتتح الشاعر حسين العبد لله قصائده واصفا النهر بأنه دمه في قصيدته “يا عابرين دمي”، وافتتح قائلا:

 

أولست مثلي للقا تشتاق .. فكفى بربك يا فراتُ فراقُ

 

هُجّرت غصبا عن ضفافك يا دمي .. يا ليتني غصبا إليك أساقُ

 

أولست دمعي يا فرات فلا تخف .. سأصب دمعا كلما أشتاقُ

 

ومن الفرات والشوق لأرض الوطن إلى الشوق للأب، ترنم العبد لله بأبيات جميلة قال فيها:

 

لم يحنِ ظهر أبي ما كان يحمله .. لكن ليحملني من أجلي انحدبا

وكنت أحجب في نفسي مطالبها .. فكان يكشف عما اشتهي الحجبا

أغفو وأمنيتي سر ينام معي .. أصحوا وإذ بأبي ما رمت قد جلبا

كفاه غيم وما غيم ككف أبي .. لم أطلب الغيث إلا منهما انسكبا

لو أمطرت ذهبا من بعدِ ما ذهبَ .. لا شيء يعدلُ في هذا الوجود أبا

 

ومن الفرات إلى الجزائر الذي عقدت الشاعرة الجزائرية سمية اللبا العزم على أن يحيا، فقالت:

 

وهج على ظل البلاد تدفقا .. والظل من وقع الضياء تمزقا

 

نسق الحكاية لا يليق بنا ولن .. تستشرف الأيام حكما مسبقا

 

تتنزل الآيات، يحتدم اليقين، الوجه في وجه الكتاب استغرقا

 

يتأمل الخيبات ينقذ ما نجا .. ويظل أسطول الغواية غارقا

 

أستل خيط الذكريات وموطني .. يبدو على مد الرواية مرهقا

 

والصمت من وجع البداية سائد .. لكن بعض الصمت صوت مطبقا

 

لم يكتب التاريخ أن النخل في .. صحرائنا كالدهر يخلد باسقا

 

أن القرنفل يستغل ذبوله .. ليعود في باقي المواسم مورقا

 

ومن القرنفل الجزائري إلى نزف الورود والوريد للشاعر السوري إبراهيم جعفر الذي قال:

 

دعي الأعراف جنبا إن قلبي .. يتيم فافتحي باب التبني

 

فكم من قصة لم يحكَ عنها .. تبدت في تجاعيد المسنِّ

 

ورعشتك التي طمأنتِ قلبي .. بها تعني التعلق فاطمئني

 

عجيب كيف عشنا قبل هذا .. كأنك شطر روحي أو كأني

 

بغير العشق يسلم من تأنى .. فإن العشق يقتله التأني

 

ورغم أن جعفر ابن معرة النعمان في إدلب، فقد تغنى بحمص وحلب الشهباء، محتضنا جراح الثورة وناطقا بلسان حالها الذي تعجز الكلمات عن التعبير عنه، قائلا:

 

أدريتِ يا حمص العدية أن لي .. قلبا يعذب فيكِ أم لم تدري

 

إن كنت لا تدرين فالفيحاء تدري أنني أهواكما في السر

 

عذراءُ يا شهباء ويحي في الهوى .. لا عذر لي لولا الهوى بكِ عذري

 

قالوا بأني راهبٌ أنا لم أكن .. لو لم تغازلني عيون الديرِ

 

وحماة ما لثمت شفاهي مرة .. إلا كست شفتيّ لون الزهرِ

 

 

 

 

 

 

وكذلك صدح أنس الدّغيم بألحان الثورة قائلا بصوت جهوري قوي:

 

سيقرأ لي حفاة الناس يوما .. ويمكر بي طغاة الأرض مكرا

فإن قتلوا أناي خلقت جمعا .. وإن جرحوا بناني سال شعرا

أقلّ الشعر أن تختار موتا .. يشرف حرفك العربي عمرا

فإن حوصرت في مترٍ وحيدا .. سأجعله لأهل الظلم قبرا

 

وختم الدغيم أبياته الثورية القوية بقصيدة الجودي التي تقول خاتمتها:

 

قسّمتُ قلبي على مليارِ مئذنةٍ .. فحيثما أذّنَتْ أجزاؤه سجدا

 

وشهدت الندوة كذلك مشاركات من الشاعر حسام نصر الله والشاعرة السورية ريمان ياسين والشاعر المصري أسامة فؤاد، وختم الشاعر حسين أحمد حسين بقصيدة المشكاة قائلا:

 

خُذني لِأَعبُرَ في عَينيكَ ألفَ مَدَى .. فَالقَائِمُونَ على أَمْدَائِنا شُهَدَا

 

لَنْ تُشرِقَ الشَّمْسُ إلّا مِنْ بَرِيقِ دَمٍ .. أَمْسى بُراقَا عليهِ الرَّاحِلونَ نَدَى

 

وجَاءَ قَابِيلُ كي يَحثُو التُّرَابَ على .. بَرقٍ تَنَفَّسَ فيهِ الصُّبْحُ فَارتَعَدَ

 

إنْ أطفَأَ الفَجْرَ في أحداقِنَا رَهَقٌ .. فَذاكَ وجْهُكَ فوقَ الطُّورِ مُتَّقِدَا

 

مَاجَتْ سَفينَةُ نُوحٍ في مَوَاجِعُنَا .. وقُمْتَ وَحدَكَ كَالْجُودِيِّ مُنْفَرِدَا

 

إنْ مَاتَ فِرعَونُ في لُجّيِّنَا غَرَقَا .. فالسَّامِرِيُّ على أنْقَاضِنَا وُلِدَا