الرئيسية / مدونات فرش / «لا تسقني ماء الحياة بذلة.. بل فاسقني بالعز كأس الحنظل»

«لا تسقني ماء الحياة بذلة.. بل فاسقني بالعز كأس الحنظل»

الذل صفة بشرية مذمومة ومبغوضة عند الإنسان، وليست من الفطرة الإنسانية السليمة في شيء، فالنفس هي التي تكتسب الذل بعد أن يصير عندها طبعاً مألوفاً، لأنها لم تتربى على التحليق في معالي الأمور وتجنب الإسفاف، وبالتالي فنفورها من العزة وانجذابها للذل يصبح أمراً عادياً بعد التطبع، ومن باب المقارنة المؤدية إلى الفهم السليم للعلامات الفارقة بين العزة والذل، نجد عزيز النفس الذي يأبى الذل والإذعان ويرفضهما مهما كان المتاع الدنيوي الذي قد يأتي عن طريقهما، ويختار العزة والإباء وإن خلفا الحرمان والقهر، ويرفض أن يتصرف بخضوع غير أخلاقي مذل للنفس ومذهب للنخوة والكرامة.

بعض النفوس الضعيفة يخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة، لا تطاق، فتختار الذل والمهانة هرباً من هذه التكاليف الثقال، فتعيش عيشة تافهة، رخيصة، مفزعة، قلقة، تخاف من ظلها، هؤلاء الأذلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة، إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة، يؤدونها من نفوسهم، ويؤدونها من أقدارهم، ويؤدونها من سمعتهم، ويؤدونها من اطمئنانهم، وكثيراً ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون، كما المؤيدين لنظام الأسد الذين يعيشون في كنفه راضين بالذل لكي يحصلوا على بعض ملذات الحياة ظناً منهم أنه بمجرد مطالبتهم بأحد حقوقهم سوف يحرمون من كل شيء، ويواجهون مصيراً قاتماً، فبقوا خانعين راضين بكل أنواع الذل والقهر من أجل سفاسف الأمور.

وبالمقارنة مع الأحرار الذين أبوا حياة الذل والخنوع فقد ضحوا بأغلى ما يملكون من أجل المحافظة على كرامتهم وحريتهم وعدم السماح لأحد بظلمهم وذلهم كالناس الذين يعيشون في المناطق المحررة الخارجة عن سلطة نظام الأسد فقد تحملوا كل أنواع العذاب والظلم والقصف والقتل والتشريد والنزوح من أجل كرامتهم وحريتهم وقدموا الكثير من الشهداء في سبيل حريتهم عدا عن المعتقلين الذين رفضوا الخضوع لحكم نظام الأسد على الرغم مما ذاقوا من ويلات السجن والعذاب .

وفي النهاية لا بد من التأكيد مجدداً على عدم الرضا بالذل، فلا الأدنى من العيش بعزةٍ يُفني، ولا الحصول على الأغلى من هذه الحياة بذل يُبقي، على أن ما قل وكفى بعز خير مما كثر وألهى بذلة، فشتان ما بين الذل والعزة، وصاحب المبدأ مقتنع من أن العيش بالعزة في جحيم خير من حياة ذليلة وإن ملأها رغد الدنيا كله، ولا يُفهم مما قلنا أن الإنسان المبدئي مفروغ من حب الحياة ومتاعها، بل هو من المحبين لها إن أتت بما يستحقه بشرف ويرفض كل منفعة تأتي بذل، وطال الزمن أو قصر ستعرف ولو متأخراً بأن الأشياء الثمينة لا تقدر بثمنها إلا حينما تؤخذ أو تعطى بعزة نفس، فإن ما تحصل عليه إن لم يوزن بميزان الكرامة والأنفة والنبل ستنقطع منه العزة التي هي أثمن شيء فيه.

إعداد: وفاء المحمد