الرئيسية / مدونات فرش / رفيدة تجعل من منزلها في قرية البلاط مدرسة صغيرة

رفيدة تجعل من منزلها في قرية البلاط مدرسة صغيرة

اتخذت معلمة اللغة الفرنسية رفيدة الحمادي (٣٦ عاماً) من منزلها الصغير المكون من غرفتين ومنافعهما منزلاً تعيش فيه مع أسرتها، وفي الوقت نفسه مدرسة صغيرة لتعليم الأطفال.

وتعيش رفيدة في قرية البلاط التابعة إدارياً لمدينة دركوش في ريف إدلب الشمالي، وهي متزوجة وأم لطفل واحد اسمه وسام.

ومنذ الصغر كانت رفيدة تحلم بأن تصبح معلمة، وتتحدث عن مسيرتها في التعليم قائلة: “درست معهد اللغة الفرنسية وتخرجت ونلت الشهادة عن رغبة وحب لمهنة التعليم، ثم قمت بالتدريس لمدة ستة عشر عاماً في مدرسة الحاج نايف في قرية قريبة من عزمارين، ولكن بعد زواجي وإنجابي لطفلي وسام أصبح من الصعب علي أن أكمل مهنتي، لعدم وجود من يحتضنه أثناء غيابي عن المنزل، فقررت ترك المدرسة والالتزام بالمنزل لأعتني بطفلي”.

وتتابع: “كم كانت تلك الأيام جميلة، تلك الأيام التي أمضيتها مع الطلاب، جمالها هو إحساس غريب يشعرني بالسعادة لتحقيق هدف لطالما سعيت لتحقيقه، وكم كان صعباً علي التخلي عن التدريس، فعند رؤية الطلاب يذهبون ويعودون أمام عينيّ إلى المدرسة أحس بروحي تخرج من جسدي، كم كان صعباً عليّ التأقلم مع هذا الوضع”.

لكن رفيدة لم تصبر على هذا الوضع لأكثر من شهر واحد، وسرعان ما وجدت البديل، وهو الدورات المنزلية، وبالفعل حاولت استقطاب أطفال القرية والأطفال المهجرين لتعلمهم بعيداً عن جو الحرب، وبعيداً عن أصوات الطائرات والخوف والدمار، وتشرح ذلك قائلة:

“إن الحملة الهمجية لقوات الأسد لبسط سيطرتهم على محافظة إدلب، وتهجير كثير من السكان من مناطقهم أدى إلى تحويل معظم المدارس في المناطق الحدودية إلى مأوى للنازحين الهاربين من القصف، وهذا أدى إلى تراجع التعليم، وأنا أجد في عملي هذا في منزلي مساعدة لهؤلاء الطلاب لحصولهم على جزء بسيط من حقوقهم”.

وأضافت: “أجد نفسي في تعليم الأطفال، أقوم بتعليم الأطفال معظم المواد من سن الروضة حتى الصف السابع، أما أطفال ما بعد الصف السابع فأقوم بتعليمهم اللغة الفرنسية فقط، واستخدم أدوات بسيطة جداً مثل الأقلام والدفاتر والكتب”.

وأوضحت: “بالنسبة لأطفال الروضة والصف الأول الابتدائي، أقوم بداية بإحضار كتب فيها صور وألوان لجذب الطفل، ومن ثم أقوم بجعل الطفل يحب التعليم، ونبدأ بالحروف وكلمات تقريبية موجودة في الحياة اليومية، وتعليمهم كيفية إمساك القلم والكتابة بشكل صحيح، وبالتدريج نجد نتيجة ممتازة، وهكذا نكمل تعليم باقي الصفوف بإعادة منهاج الصف السابق ومتابعة الصف الذي وصل له الطفل”.

وتجد رفيدة إقبالاً من الأهالي على تسجيل أطفالهم لديها، وتقول إنها تعلمهم “حباً في هذه المهنة وليس من أجل النقود”، وتقول إنها تتقاضى “مبلغاً رمزياً وهو ١٠٠٠ ليرة سورية لكل طالب في الشهر الواحد، رغم أنها باتت لا قيمة لها بالنسبة للوضع الحالي وارتفاع الدولار”.

ومع احتساء الشاي الساخن قرب المدفأة، طرق الباب، ثم خرجت رفيدة وهي ضاحكة تقول: “من بالباب؟”، ليجيب طفل صغير بالكاد ستة أعوام: “نحن محمد ومصطفى يا آنسة”، ومع فتح الباب كانت تردد رفيدة جملة: “أهلاً وسهلاً، أهلاً وسهلاً بالتلاميذ الصغار، وأين البقية؟”، رد محمد: “نحن سبقناهم وهم خلفنا”.

دخل الجميع وجلسوا بجانب المدفأة الملتهبة حاملين دفاتر وأقلاماً، وأحضرت رفيدة نسخة كتب الصف الأول الابتدائي وجلست وحولها أربعة أطفال وبدأت تراجع الدرس السابق، ويردد الأطفال خلفها الدرس بشكل منتظم، ومن ثم بدأت بكتابة حرف الهاء، وتتنقل من طفل إلى آخر وتمسك يده وتحاول تحريك يد الطفل حسب رسم الحرف، وهو يبتسم سعيداً بما يفعل، وهي تلقنهم الحرف بأشكال المد وتعلو أصواتهم “ها هو هي”.

لتشاركنا الحديث خديجة (٨ أعوام) ذات الشعر المجدول والثياب الأنيقة، وعند سؤالها: “هل أنت سعيدة مع الآنسة رفيدة؟”، أجابت والابتسامة تملأ وجهها: “نعم، أنا أحب المدرسة وأحب أن أتعلم، والآنسة رفيدة تحبنا وتعلمنا، وأنا أحبها كثيراً وسأصبح في المستقبل معلمة مثلها”.

وتقول أم محمد والدة محمد (٥ أعوام): “طفلي صغير، لكن أود تعليمه كي يكون على استعداد لدخول المدرسة، والآنسة رفيدة جيدة ومتمكنة في مهنتها، وسمعت كثيراً عن مدى ذكائها، وأنا أجد محمداً يستفيد، فبعد مدة شهرين من تسجيله لديها بات يمسك القلم بشكل صحيح، وحفظ معظم الحروف العربية والإنكليزية، بالإضافة للأرقام، فأنا أشكر جهودها”.

أما أم عبدو التي سجلت طفليها خالد (٨ أعوام) ومصطفى (٦ أعوام) فتقول: “هي صديقتي منذ الطفولة مجتهدة وتحب التعلم، نجحت ووصلت للمهنة التي أحبتها وأنا أثق بها لذلك وضعت أطفالي لديها، فهي تقوم بتعليمهم، وهذا ما أراه حين يعودون إلى المنزل سعداء يرددون الدروس والكلمات بشكل جيد، وسأبقيهم لديها دائماً كي يجدوا مستقبلاً جيداً”.

كانت تتغير لمعة عينيّ رفيدة حين تبدأ بذكر أسماء طلابها لتختم حديثها: “أنا أفتخر بإنجازي وأعتبر أنه من واجبي الحفاظ على الأطفال وعلى نفسيتهم من خدوش وجروح الحرب، فهؤلاء الأطفال هم حياتي الثانية”.

إعداد: كادر “فرش أونلاين”