الرئيسية / مدونة المرأة / الممرضة جمانة تجتهد في مقاومة كابوس الاعتقال

الممرضة جمانة تجتهد في مقاومة كابوس الاعتقال

بعد سنة ونصف في سجون نظام بشار الأسد خرجت الممرضة الثائرة جمانة الحسيني (٤٧ عاماً) عازمة على إكمال النضال من أجل الحرية والعدالة لكل السوريين، ورغم تفاجئها بأمور عديدة فقد أصرت على أن تبقى قوية وتقول:

“اعتقلت وخسرت وظيفتي وتزوج زوجي، لكن الحياة مستمرة وعليّ الإصرار لمواجهة المجتمع لإكمال حياتي، قررت الصمود رغم الصعوبات التي واجهتني”.

وتعيش جمانة الحسيني في مدينة سلقين الواقعة في ريف إدلب الشمالي والخاضعة لسيطرة الفصائل الثورية، وهي تعمل في مركز عزمارين الصحي وأكاديمية سلقين.

وتزوجت جمانة مرتين، وهي أم لستة أولاد من زوجها الأول، ولم تلد من زوجها الثاني.

وتتذكر جمانة حادثة اعتقالها قائلة: “استيقظت صباح ذلك اليوم باكراً وذهبت لقبض راتبي، وعلى أحد حواجز النظام توقفت السيارة، وتم إنزالي بحجة سؤال وجواب ولكنهم اعتقلوني، كانت لحظات قاسية جداً، لا أستطيع وصف شعوري في تلك اللحظة، وخاصة بعد معرفتي أني متهمة بعدة جرائم إرهابية بحسب النظام، كتمويل المسلحين وحمل السلاح والعمل في مشافي ميدانية، بالإضافة لسفر غير شرعي إلى تركيا، وبقيت في السجن سنة وأربعة أشهر”.

وتتابع: “في رمضان ٢٠١٧ تم إخلاء سبيلي، لكن لم يتم الإفراج عني مباشرة، بل تم تحويلي إلى فرع المزة في دمشق/المخابرات العامة، لأمضي شهرين ونصفاً هناك”.

وتوضح: “في أحد الأيام دهشنا بدخول أحد المسؤولين قائلاً: جهزوا أنفسكم لاستلام أماناتكم، غداً الساعة الثانية عشرة ليلاً سيتم إخراجكم تحت مسمى المبادلة العامة، كانت فرحتي لا توصف، انهمرت دموع الفرح من عينيّ، وملأت الابتسامة وجهي، وبدأت الأحلام ترتسم بمخيلتي حول الواقع السعيد الذي رسمته لنفسي خارج القضبان”.

وتمت المبادلة في قلعة المضيق بريف حماة، ووصلت جمانة منزلها، لكن فرحتها لم تدم طويلاً، فالواقع ونظرة المجتمع قتل حلمها، وهنا أخفضت جمانة رأسها محاولة إخفاء دموعها وقالت:

“كانت دهشتي كبيرة عندما وجدت زوجي حاملاً طفلاً بين ذراعيه وامرأة تقف خلفه، صدمت بخبر زواجه، فقد أصبح لديه زوجة أخرى تشاركني كل شيء يخصني، لأجد نفسي ضيفة في منزلي، لكن صدمتي كانت أكبر حين بدأت أجد نفسي شخصاً مرفوضاً من قبل الجميع، حتى مهنة التمريض تم فصلي منها عقب اعتقالي”.

وبعد نحو سنة من التعب والإرهاق اتصلت مديرة “معهد التميز والإبداع” في مدينة سلقين بجمانة قائلة: “أنا سمعت كثيراً عن اجتهادك بمهنة التمريض وأدعوك إلى معهدنا للعمل معنا”، ووافقت جمانة دون تردد وقررت الذهاب ومواجهة المجتمع وإيجاد فرصة للاستقرار وتقول:

“ذهبت إلى المعهد وقابلت الإدارة، وخضعت مدة أسبوع للتجربة، ونجحت بخبرتي في هذا المجال، وتعينت مدربة في المعهد، وبقيت أعمل فيه مدة سنة كاملة، أشرفت خلالها على تخريج ستة دورات من الشباب والشابات من جميع الفئات”.

وبعد مسيرة سنة مع “معهد التميز والإبداع” كان على جمانة أن تبحث عن عمل آخر وتشرح ذلك قائلة:

“بعد تركي المعهد تواصلت معي إحدى صديقاتي وهي مسؤولة في منظمة نقطة بداية في مدينة سرمدا قائلة: “ابعثي لي السيفي الخاص بك وأنا سأقوم بالتقديم لك على روابط وظائف”.

وتضيف: “كنت أجلس مع نفسي ساعات طويلة، وأفكر بأنني امرأة دخلت السجن ظلماً بظلم، لماذا أجلس ولا أعمل؟ فأنا أمتلك شهادة تمريض وأستطيع العمل، وقادرة على إكفاء احتياجاتي، أنا شخص فعال بحكم عملي وأستطيع مساعدة الناس وتغيير نظرتهم السيئة لي”.

وبعد أيام أخبرتني صديقتي أنه تم قبولي وتعينت في مركز عزمارين الصحي/قسم التوليد، وبعد عدة أشهر قامت صديقتي بالتقديم لي على رابط عمل آخر، وحسب شهادتي ومؤهلاتي والخبرة التي أمتلكها تعينت في أكاديمية سلقين/جناح الأطفال، واستطعت من خلالها إثبات نفسي، والآن أنا قادرة على العيش وإعالة نفسي”.

لتقطع حديثنا إحدى الممرضات “جمانة قسم الإسعاف بحاجتك”، ثم خرجت جمانة مسرعة، ثم جذبني صوت طفل يبكي بصوتٍ عالٍ، دخلت الغرفة وإذ بجمانة تقف وتحمل طفلاً حديث الولادة بين ذراعيها وتعطيه لامرأة في الخمسينات من عمرها هي جدة الطفل لتقول لجمانة:

“أعطاك الله العافية يا ابنتي فقد قمتي بعمل رائع بمساعدتك حفيدي، أنت امرأة طيبة تستحقين التقدير، كان طفلي لا يتنفس ويكاد يختنق وبمساعدتك استطاع ذلك، وهو بحالة جيدة، شكراً لك يا ابنتي”.

حينها دخلت هلا (٣٦ عاماً)، وهي صديقة جمانة وتعمل ضمن المركز، لتصف جمانة قائلة: “هي ممرضة نشيطة متفائلة بالحياة رغم كل الظروف التي مرت عليها، منذ قدومها إلى المركز تساعد الناس بالإسعاف بكل وجه رحب، وتقف ساعات طويلة دون أن تشعر بالتعب، فهي تخيط وتضمد جرح هذا الطفل، وتقيس ضغط هذه المرأة، وتخطط قلب تلك المريضة، ليس لأن عملها يفرض عليها هذا، بل هي تقوم به من حبها لمهنتها، حيث لا تتوقف لحظة عن مساعدة الآخرين، بارك الله بها وبجهودها الجبارة”.

تتذكر جمانة دائماً أيامها الجميلة قبل الاعتقال، وتصف اعتقالها بالموت البطيء، لكنها تجتهد في مقاومة هذا الكابوس على أمل البدء من جديد، وتقول:

“سأبقى قوية، وسأقاوم نظرة المجتمع السلبية للنساء المعتقلات، ولن أسمح للاعتقال بتدمير حياتي”.

إعداد: فريق “فرش أونلاين”