الرئيسية / مدونة المرأة / الطفلة وردة بائعة ألبسة جوالة في ريف حلب

الطفلة وردة بائعة ألبسة جوالة في ريف حلب

في يوم ربيعي من آذار طرقت باب منزلي في مدينة إعزاز بريف حلب الشمالي طفلة صغيرة لم يتجاوز عمرها العشر سنوات، اسمها وردة، وتحمل على كتفها كيساً كبيراً من النايلون الأسود، وقالت لي: “يا خالة لدي ملابس هل تودين الشراء؟”.

ووردة هي نازحة من حي الصاخور في مدينة حلب منذ عام 2017 إلى مخيم سجو بريف حلب الشمالي الخاضع لسيطرة الفصائل الثورية، مع أمها وأختها التي تصغرها سناً وأخيها وأبيها جمال الأحمد (45 عاماً) الذي يكمل حياته على كرسيه المتحرك بعد أن قصفت قوات الأسد منزلهم عام 2017، ما أدى إلى خسرانه قدميه.

وسبب نزوح هذه الأسرة هو الحملة التي شنتها قوات بشار الأسد وحلفائه على مدينة حلب، والتي أدت إلى تهجير أكثر من نصف مليون إنسان إلى أماكن مختلفة، وانتهت بسيطرة قوات الأسد وحلفائه على مدينة حلب كاملة.

وبطريقة لطيفة أرادت وردة أن تعرض عليّ ما تحمله من بضائع متنوعة، من ألبسة أطفال ومكياجات وجوارب وعطورات، وطريقة بيعها جعلتني أندهش بطفلة صغيرة مثلها تتقن مهنة البيع وتجذب الزبائن بحسن معاملتها ولطافتها.

وتتحدث وردة عن رحلة نزوحها واضطرارها للعمل وتقول: “لم تجد أمي عملاً بسبب عدم توفر فرص العمل ضمن المخيم، فقامت بداية ببيع خاتم لها لكي نشتري به بعض الألبسة ونبيعها ضمن المخيم، فأبي لا يقوى على العمل مطلقاً، ومن ثم قررنا البيع خارج المخيم”.

وتضيف: “أصبحنا نذهب أنا وأمي كل يوم باكراً إلى القرى المجاورة وإلى مدينة إعزاز كونها قريبة من المخيم، فما كان علينا سوى التفكير بعمل نعتاش منه”.

وتشرح وردة طريقة عملها قائلة: “نخرج يومياً من المخيم باكراً ونتجه إلى مدينة إعزاز ونشتري كمية قليلة من الملابس من المحلات التي تباع بالجملة، نقوم أنا وأمي ببيع تلك الألبسة للناس سيراً على الأقدام عبر تجوالنا ضمن حارات المدينة، وبسبب صغر سني كان على أمي أن تذهب معي للعمل”.

وتضيف: “نطرق أبواب الناس لكي نبيع ما توفر لدينا من ملابس ونعود قبل غروب الشمس، وبعد عملنا بفترة شهرين أصبح لدينا زبونات كثيرة توصينا على ما تحتاجه”.

وتتابع: “في البداية كنت لا أعرف الذهاب إلى أي مكان دون أمي، أما الآن أصبحت حافظة للشوارع قادرة على البيع لوحدي وأعرف أسعار ما معي من بضائع، وسيراً على الأقدام نقتسم الحارات أنا وأمي، ونحاول دائماً أن نبيع بأسعار أقل من السوق”.

وبعد ذلك زرت المخيم الذي تعيش فيه وردة والتقيت أمها التي حدثتني عن صعوبة عملهما قائلة: “عملنا شاق ويحتاج لكثير من السير على الأقدام لعرض البضائع على المنازل، فأنا أقوم بحمل كيسين من البضائع على كتفي، بينما تحمل ابنتي وردة كيساً على كتفها أيضاً، وبعد أن تعلمت وردة البيع أصبحنا نبيع كل واحدة على حدة، وعند انتهائنا نلتقي في مكان نكون قد اتفقنا عليه سابقاً”.

ويختلف ربح الأم وابنتها من يوم لآخر، ولكنه قلما يتجاوز ما يعادل الدولارين بالليرة السورية في اليوم الواحد، وتتحدث الأم عن ذلك قائلة: “يختلف المبلغ الذي نجنيه كل يوم حسب الإقبال على شراء الملابس، وحالة الطقس تؤثر أيضاً على بيعنا كوننا نبيع في الشارع وليس ضمن دكان، فنحن لا نعمل في الأيام الباردة والماطرة”.

وشاركنا الحديث شاب صغير (14 عاماً) أسمر البشرة وتظهر على ثيابه بقع يبدو عليها أنها زيت سيارات أو ما شابه، ويدعى سامر، وهو أخ لوردة، وقال:

“تعمل أمي وأختي كل يوم لتوفير لقمة العيش، وأعمل أنا في محل لتصليح السيارات لكي أساعدهم أيضاً”.

وبجوار الخيمة التي تسكنها وردة وأهلها تسكن أم جابر (32 عاماً)، وشاركتنا الحديث قائلة:

“وردة طفلة ذكية وتتحمل مسؤولية أكبر منها، تعمل مع أمها من أجل قوت يومي، وبحكم أنني متعلمة تأتي إليّ كل يوم بعد انتهائها من العمل لأعلمها الكتابة والقراءة، فهي طفلة مجدة”.

ويجلس أبو وردة على كرسيه المتحرك، وفي عينيه حزن واضح على ما حل به وبأسرته، وقد عبر لي عن مدى امتنانه لزوجته وابنته وقال:

“البيع المتنقل ضمن الحارات وحمل الأكياس المليئة بالملابس يحتاج لقوة وجهد طوال اليوم، وأنا كما ترين لا أقوى على العمل، فما كان على زوجتي وابنتي سوى القيام بالعمل بدلاً مني، وأحمد الله دائماً”.

لدى وردة رغبة في الذهاب إلى المدرسة وتقول: “كل ما أتمناه أن نعود إلى بلدتنا، وأن يحل السلام، وأن أتعلم القراءة والكتابة وأكمل تعليمي في المدرسة، فأنا لم أتعلم في أي مدرسة لحد هذا الوقت، لعدم وجود مدرسة قريبة، وهذا يحزنني كثيراً، ولكن في العام القادم سأذهب إلى المدرسة وسأتابع عملي مع أمي أيضاً، إن شاء الله”.

إعداد كادر “فرش أونلاين”