الرئيسية / محليات / خبز التنور.. تراث على الموائد في ريف ادلب

خبز التنور.. تراث على الموائد في ريف ادلب

 

تستيقظ أم خالد (60 عاما) فجر كل يوم مع صيحات ديك جيرانها، وأشعة الشمس الخفيفة المنسابة إلى سريرها من داخل فتحة في سقف منزلها العتيق، تصلي الفجر وتبدأ عملها الذي تحبه، والذي تربت معه ألا وهو صناعة التنور.

يكاد التنورلا يخلو منزل منه في كفرنبل في السابق، واليوم بقي حاضرا في منازل كفرنبل يرسم صورة تراثية واضحة، بخبزه ذو اللذة والنكهة الفريدة من نوعها، وهو ما دفع الأهالي للتمسك به.

بدأت “أم خالد” بهذه المهنة منذ أكثر من 20 عاما، وحينها كان الطلب عليه كبيرا جدا، وهي حرفة تعلمتها من أمها، حيث كانت تصنع ما بين الخمسة والستة في الأسبوع، وتوضح طريقة صنعه قائلة: “أخرج باحثة عن أحجار سوداء بركانية هشة لطحنها، ثم أقوم بانتقاء الأحجار الصغيرة والكبيرة بواسطة الغربال، وبعدها أضع الماء فوقه، وأقوم ببنائه بشكل دائري بدءا من قاعدة إسمنتية، وأدوره حسب التقدير، وأتركه لمدة أربعة أيام ليصبح قاسيا، حيث أضع أكياس كبيرة فوقه ثم أجهز الطين حتى يصبح قابلا لوضعه عليه، يوجد ثلاث أنواع  له الكبير والوسط والصغير”.

 

مكانة التنور في قلوب الأهالي

تستذكر “أم خالد” أيام شبابها وما سمتها بحفلات الخبز، بالاشتراك مع قاطني الحي، وتحضر في رأسها صورة “أبو حميد” محملا حماره بالحطب، وصديقاتها وهن يضعن الحطب داخله،  وتسهب في حديثها: “كانت صحون السمسم والفليفة تفترش أطرف التنور، ثم نجهز الفلفل الأحمر لدهن بعض من أرغفة الخبز، قد نؤمن ما يكفي من الخبز  ليوم أو يومين، وبعد أن ننتهي من صنع العجين أكون قد انتهيت من صنع “الكارة”، وهي عبارة عن قطع من القماش، يقمن النساء بتجهيزه على مبدأ الكف، بحجم أكبر  وتخييطه ويجعلون له ممسكاً، لتستطيع التحكم به لتضع رغيف الخبز داخل التنور.

 

“التنور هو سراج مضيئ داخل قلوبنا”، هكذا وصفه “أبو عمار” وتابع: كنا دائما أنا وإخوتي نجهز الحطب، لكي نقوم بإحماء التنور، وكان لتجمع العائلة حوله جو خاص، حيث نتبادل الأحاديث ونستمتع بوقتنا، منتظرين “البلالة” رغيف الخبز الذي كان يوضع على الكارة، ويوضع فوقه الخبز الأحمر المغمس بالفلفل الحار، ما يكسبه طعما نادرا، كما أن بناتي وأولادي لا زالوا يعتنقون عادات وتقاليد المنزل الكفرنبالي المترسخة في عقولهم، فكم تسرني رؤيتهم مجتمعين حوله كما في الأيام الخوالي، وأتمنى أن يبقى ويتذكره الجميع ويتناقلونه جيل بعد آخر”.

 

 

بعد أن أصبح الاعتماد الأكبر على الأفران الآلية، التي توفر جهدا على النساء، بدأ الاهالي بوضع نكهات خاصة على خبز التنور، كالفليفلة والجبن واللحم والزعتر وغيرها، متحولا إلى بديل ثانوي عن الأفران في الأزمات المفاجئة، وأكلة مفضلة تزور المنزل من حين لآخر وتسد رمق مشتهيه.

حمزة العمور (كفرنبل، ادلب)