الرئيسية / غير مصنف / من بعده الضبابُ اتخذ من حياتي وطناً..

من بعده الضبابُ اتخذ من حياتي وطناً..

لا يمكنني التحمل..
قالت فاطمة وهي تجهشُ بالبكاء: إنني مستعدةٌ لفعل أي شيء ليعود لي، فأنا تائهةٌ، أشعرُ كأنني كاليتيمة لأنه لم يعد في هذه الحياة أي طعمٍ لأي شيء.
بعد حينٍ نظرت في وجهي قائلةً كيف أجعلك قادرةً على فهم ما أعانيه؟
فنظرتُ لها وأنا أرى صورةً تتكررُ لعددٍ من النساء أمامي، حيث بدت سارحةً والدمع يغسل عينيها، أحسست حينها أن قلبها سينطقُ بالحزن ويروي كيف اتخذ الضباب من حياتها وطناً ومسكن.
فقالت لي: حينما ذهب زوجي للرباط ذات يوم أودعتُ فيه حياتي، لأني شعرتُ حينها أني لن أراه مرةً أخرى لكني لم أبح له وأبقيت خوفي مكبوتاً في صدري، لم تكتف الطائرات بصاروخٍ واحدٍ بل ألقت عدَّة صواريخ، حينها يا نورُ لم ينجُ منهم أحدٌ وظلَّوا تحت ركام الكهفِ كالشتل الذي سيزهرُ يوماً ما ورداً ونخلا.
كان النبأ أقوى منَّي وصوت المؤذن أقوى منَّي ورغم كل هذا كنت أمنَّي النفس ألا يأتي اسم زوجي من بين الشهداء، لكن إلى الآن يا نور لديَّ أملٌ كبير بأن زوجي سيرجع يوماً ما وأراه بعيوني التي تراه في كلَّ حينِ وفي كل وجه.
نعم يا نورُ إني وصلتُ لمرحلة الجنون، حتى صرت أرى زوجي في كل وجهٍ أنظرُ إليه.
وقفتُ في حيرةٍ من أمري كأن الطير على رأسي، وهي تواصل البكاء قائلة: أشعر بحضوره، أشعرُ بأني ناقصةٌ كما لو أن وحشاً قضم جزءاً من جسدي.

كيف انتهى كلُّ شيء؟
لمن تركني أنا وابنتي التي لم ألدها بعد؟
ما هو الجرم الذي ارتكبه زوجي والآخرون لكي يفارقوا الحياة كأنهم رقمٌ قابل للإزالة في أي وقت؟
قلت لها وقلبي متفطرٌ عليها: يا فاطمة لست حالةً استثنائية فأغلب النساء شعرن بما تشعرين به الآن، والحزن لا يدوم والقهر تطويه الأيام رويداً رويداً.

لا يا نور لا يمكن هذا !
أسئلةُ أطفالي عن أبيهم تدمرني هي الأخرى، فابني الذي لم يعرف الحياة بعد دائماً ما يقول لي لماذا الأطفال في الحارة لديهم أبُ وأنا أين أبي؟
وفي أغلب الأحيان أشرد داخل نفسي وأراه في كل زاوية من البيت، اتخيله يدخل من باب الغرفة في أي لحظة، ولكن بعد يقظتي من هذا الشرود أعود لأجد نفسي وحيدة.

نور العمري